محمد بن مسعود العياشي
129
تفسير العياشي
44 - عن أبي عبيدة الحذاء عن أبي جعفر عليه السلام قال : سمعته يقول : وجدنا في بعض كتب أمير المؤمنين عليه السلام قال : حدثني رسول الله صلى الله عليه وآله ان جبرئيل عليه السلام حدثه ان يونس بن متى عليه السلام بعثه الله إلى قومه وهو ابن ثلثين سنة ، وكان رجلا يعتريه الحدة ( 1 ) وكان قليل الصبر على قومه والمداراة لهم ، عاجزا عما حمل من ثقل حمل أوقار النبوة وأعلامها وانه تفسخ تحتها كما يتفسخ الجذع تحت حمله ( 2 ) وانه أقام فيهم يدعوهم إلى الايمان بالله والتصديق به وأتباعه ثلثا وثلثين سنة ، فلم يؤمن به ولم يتبعه من قومه الا رجلان ، اسم أحدهما روبيل واسم الآخر تنوخا وكان روبيل من أهل بيت العلم والنبوة والحكمة وكان قديم الصحبة ليونس بن متى من قبل أن يبعثه الله بالنبوة ، وكان تنوخا رجلا مستضعفا عابدا زاهدا منهمكا في العبادة ( 3 ) وليس له علم ولا حكم ، وكان روبيل صاحب غنم يرعاها ويتقوت منها ، وكان تنوخا رجلا حطابا يحتطب على رأسه ويأكل من كسبه ، وكان لروبيل منزلة من يونس غير منزلة تنوخا لعلم روبيل وحكمته وقديم صحبته فلما رأى يونس ان قومه لا يجيبونه ولا يؤمنون ضجر وعرف من نفسه قلة الصبر ، فشكى ذلك إلى ربه وكان فيما يشكى ان قال : يا رب انك بعثتني إلى قومي ولى ثلاثون سنة ، فلبثت فيهم أدعوهم إلى الايمان بك والتصديق برسالاتي وأخوفهم عذابك ونقمتك ثلثا وثلثين سنة ، فكذبوني ولم يؤمنوا بي ، وجحدوا نبوتي ، واستخفوا برسالاتي وقد تواعدوني وخفت أن يقتلوني فأنزل عليهم عذابك فإنهم قوم لا يؤمنون . قال : فأوحى الله إلى يونس أن فيهم الحمل والجنين والطفل والشيخ الكبير والمرأة الضعيفة والمستضعف المهين ، وأنا الحكم العدل ، سبقت رحمتي غضبى لا أعذب الصغار بذنوب الكبار من قومك ، وهم يا يونس عبادي وخلقي وبريتي في بلادي وفى عيلتي أحب أن أتأناهم ( 4 ) وأرفق بهم وانتظر توبتهم ، وإنما بعثتك
--> ( 1 ) أي يصيبه البأس والغضب . ( 2 ) فسخ الرجل : ضعف . ( 3 ) انهمك في الامر : جد فيه ولج . ( 4 ) من التأني بمعنى الرفق والمداراة .